Asma Zarzour

مدونة أدبية ثقافية فنية

يوليو
17

مختارات من أدب العرب

تحت تصنيف خواطر و تأملات بواسطةAsma

أعطاني أبي كعادته عندما يراني “ادور حول نفسي” كتاباً للشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله و الذي يحمل له والدي في نفسه عظيم المحبة و الإحترام, و قال لي هذا كتاب “خفيف” يناسب جو الإجازة التي نقضيها معاً, حفظه الله و أطال  في عمره و أبقاه ذخراً للإسلام و أهله. فتحت الكتاب لأتصفحه قبل النوم فما استطعت تركه قبل أن أنهي قراءة المقدمة لهذا الكتاب الخفيف على النفس بإسلوبه السلس الممتع, الدسم  على العقل بأفكاره النابعة من عقيدة صادقة و عاطفة متقدة نحو الإسلام وأهله.

عنوان الكتاب هو عنوان هذه الخاطرة و هو الجزء الأول من  جزئين, يتناول الجزء الأول موضوع هذه الخاطرة قسم النثر و هو مجموعة تمثل الأدب العربي الإسلامي في  جميع مظاهره و مناحيه الأدبية و التاريخية و التهذيبية من العصر الإسلامي الأول إلى القرن الرابع الهجري و التي جاءت بعد أن نفض الشيخ الجليل رحمة الله عليه كتب الأدب و التاريخ نفضاً, و حرثها حرثاً, فاستخرج جواهرها و أودعها كتابه و ذلك كما كتب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في مقدمته لكتاب “المسلمون في الهند”. الكتاب زاخر بالنصوص الرائعة لكنني اخترت لكم نصاً من المقدمة يتحدث فيه الشيخ عن السر في فضل الكتابات العلمية و الديينية و قوة تأثيرها و بقائها متمثلة في أروع صورها في كتب الحديث و السيرة, مقارنة بالكتابات الأدبية الصناعية التي اصابت الأدب العربي بمحن عديدة عبر التاريخ.

أتمنى أن تقرأوا معي هذا النص الذي اخترته لأشاركم به و الذي أثَر بي أيما تأثير بصدق معانيه و جمال عباراته و انهكاسه على الواقع الحاضر بشكل كبير, أترككم مع النص:-

يقول الشيخ الندوي رحمه الله:” ليس السر في فضل هذه الكتابات العلمية و الدينية و تأثيرها و قوتها و جمالها هو التحرر من السجع و البديع و ترسلها فحسب, بل السبب الاكبر هو أن هذه الكتابات قد كتبت عن عقيدة و عاطفة و عن فكرة و عن اقتناع و عن حماسة و عزم. أما الكتابات الأدبية فقد كان غالبها يكتب بالإقتراح من ملك أووزير او صديق أو لإرضاء شهوة الأدب أو تحقيق رغبة المجتمع او حباً للظهور و التفوق, و هذه كلها دوافع سطحية لا تمنح الكتابة القوة و الروح و لا تسبغ عليها لباس البقاء و الخلود و لا تعطيها التأثير في النفوس و القلوب, و الفرق بينها و بين الكتابات المنبعثة من القلب و العقيدة كالفرق بين الصورة و الإنسان و كالفرق بين النائحة و الثكلى.

يكمل الشيخ قائلاً:” و يذكرني هذا بقصة روينا في الصبا و ان كلباً قال لغزال: مالي لا ألحقك و أنا من تعرف في العدو و القوة؟ قال: لأنك تعدو لسيدك و انا أعدو لنفسي. و قد كان هؤلاء الكتاب المؤمنون الذين ملكتهم فكرة او عقيدة أو يكتبون لنفسهم يكتبون   جابة لنداء ضميرهم و عقيدتهم مندفعين منبعثين فتشتعل مواهبهم و يفيض خاطرهم و يتحرق قلبهم فتنثال عليهم المعاني و تطاوعهم اللفاظ و تؤثِر كتابتهم في نفوس قرائها لأنها خرجت من قلب فلا تستقر إلا في قلب.

أما هؤلاء المتصنعون فإنهم في كتاباتهم الأدبية اشبه بالممثلين قد يمثلون الملوك فيتصنعون ابهة الملك و مظاهره, و قد يمثلون الصعلوك فيتظاهرون بالفقر و قد يمثلون السعيد و قد يمثلون الشقي من غير أن يذوقوا لذة السعادة أو يكتووا بنار الشقاء, و قد يعزون من غير أن يشاركوا المفجوع في أحزانه و قد يهنئون من غير أن يشاركوا السعيدفي افراحه.

و هنالك شيء آخر و هو أن الإيمان و صفاء النفس و الإشتغال بالله و العزوف عن الشهوات يمنح صاحبه حس و لطافة نفس و عذوبة روح و نفوذاً إلى المعاني الدقيقة و اقتدارً على التعبير البليغ فتأتي كتابته كانها قطعة من نفس صاحبها و صورة لروحه خفيفة على النفس مشرقة الديباجة لطيفة السبك بارعة في التصوير لذلك كان من الأدب الصوفي و في كلام الصالحين العارفين قطع أدبية خالدة لم تفقد جمالها و قوتها على مر العصور و الأجيال”.

و يعطي الشيخ أمثلة على ما يصفه في نماذج في كلام السادة الحسن البصري و ابن السماك و الفضيل بن عياض و شيخ الإسلام ابن تيمية و تلميذه على سبيل المثال لا الحصر. و يضيف الشيخ قائلاً أن هذه القطع هي التي تخدم اللغة و الأدب أكثر مما تخدمها كتب اللغة و الأدب, و هي التي تفتق القريحة و تنشط الذهن و تقوي الذوق السليم و تعلم الكتابة الحقيقية“.

انتهى كلام الشيخ الندوي الذي كتبه قبل أكثر من أربعين عاماً  مؤكداً على أهمية اكتشاف الكثير من مجهول المكتبة العربية المليء بالثروات الدفينة التي تنتظر من يحغرها و يثيرها و داعياُ إلى استعراض و دراسة و عرض جديد لمكتبة الأدب العربي.

أيها الشيخ الساكن في كنف الرحمن يؤلمني ان أقول لقد أسمعت لو ناديت حياً! ولكني أسترجع قول الله عز و جل:   ﴿إنَا نحن نزلنا الذكر و إنَا له لحافظون﴾.

أضف تعليقك

AL ABEER