Asma Zarzour

مدونة أدبية ثقافية فنية

أكتوبر
14

تعريف حقوق الإنسان

تحت تصنيف تدوينات, حقوق الإنسان بواسطةAsma

يتناول هذا القسم من المدونة مناقشة قضايا مختلفة في ساحة حقوق الإنسان بشكل عام, و حقوق الإنسان في الإسلام بشكل أخص. لقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن علاقة الإسلام بحقوق الإنسان, و اختلفت الآراء بين قائل أن الإسلام كان أول من “شرعن” حقوق الإنسان, و قائل أن الشريعة الإسلامية لا تراعي حقوق الإنسان, بل و تنتهكها في كثير من الأحوال و يسوق هذا الفريق نظام الحدود كدليل على ادعائهم هذا!

لا أدعي الدفاع عن الإسلام في هذه السلسلة من المقالات, فلا أظن الشريعة العادلة بحاجة إلي, بل سأتناول مواضيع مختلفة مما يمكن تصنيفها تحت ما هو متعارف عليه اليوم بحقوق الإنسان العالمية, ثم أناقشها في ضوء القرآن الكريم و السنة النبوية الشريفة و أترك لكم القرار لتقولوا إن كان الإسلام حامياً أو منتهكاً لحقوق الإنسان.

أول ما أبدأ به إضاءة سريعة لمفهومي “الحق” و “الإنسان” في الإسلام لوضع النقاش في مكانه في المراحل القادمة.

الحق و العدالة

تحظى فكرة الحق بأهميتها البالغة من كونها الركيزة الأولى في بناء نظرية العدالة والتي هي غاية القصد و منتهى المطاف لجميع تشريعات حقوق الإنسان, وضعية كانت أم سماوية. ينطلق الفقهاء و المفكرون المسلمون ممن تناولوا مفاهيم الحق و العدل في الإسلام في تعاريفهم لهذين المفهومين من القرآن و السنة, حيث بنوا نظرياتهم لاحقاً كل حسب المدرسة التي ينتمي إليها, فكانت هناك التعريفات الفقهية, و القانونية, و الفلسفية ونظريات العدالة الاجتماعية على سبيل المثال لا الحصر.

لن أتحدث عن التعاريف المتعددة للحق و لا عن تقسيماته وأنواعه في هذه الورقة و إنما أقول أنه بغض النظر عن التعاريف المختلفة للحق التي أوردها الفقهاء على مختلف العصور, فإن هناك إجماعاً على كون الحق في المفهوم الاسلامي ثابت لأنه “أمر” و منحة من الله لعباده و هم ملزمون بالحفاظ عليه و حمايته من الانتهاك و التعسف, و أن التهاون في المحافظة على الحقوق معصية يعاقب عليها مرتكبها, فرداً كان أم جماعةً, بما يستحق. و أن كل حق يقابله واجب لا بد أن تتحقق مقاصد الشريعة من خلاله.

أما العدل كفضيلة و غاية فهو فريضة واجبة, فهو واجب على الكافة تجاه الكافة, و على الإنسان تجاه نفسه, و حتى تجاه أعدائه! حيث يقول الله تعالى في سورة النحل في الآية (90) التي يراها كثير من العلماء أتها أجمع آية لمعاني القرآن الكريم:

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

 

كما يقول عز و جل في سورة المائدة (8):

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)

لقد حرّم الله سبحانه و تعالى الظلم على نفسه قبل أن يحرمه على من خلق كما جاء في الحديث القدسي الذي رواه أبو ذر و أخرجه مسلم : “إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرماً  فلا تظالموا…” و كما جاء في العديد من الآيات القرآنية التي يبين الله فيها أهمية العدل  و يحذر من عواقب الظلم.

كما عرّف أبو الراغب الأصفهاني (ت 502 ﻫ) العدل بأنه لفظ يقتضي المساواة, حيث أن العدل بين الأطراف يقتضي المساواة, و بهذا يكون حق المساواة بين البشر أمر من الله يترتب العقاب على تركه. لم يشهد تاريخ قيام الدولة الإسلامية الأولى ثورات لنيل أي حق من الحقوق كحق المساواة مثلاً كما فعل الأفارقة السمر في الغرب على سبيل المثال. لقد نزل الوحي بقول الله أن البشر جميعاً من آدم و أكد النبي الكريم عليه الصلاة و السلام أن الناس سواسية و لا فضل لأحد على أحد في الدنيا, فغدا بلال الحبشي سيداً من أسياد المسلمين و سيبقى حتى يوم الدين.

الإنسان

الإنسان كائن اجتماعي كما يقرر ذلك علماء الاجتماع ، وعندما نتحدث عن “حقوق الإنسان” فإننا نتحدث عن ذلك الكائن الاجتماعي الخاضع لمجموعة من القيود والواجبات وفقاً لطبيعة وتطور المجتمع الذي ينتمي إليه ، فكيان الإنسان لا يتحقق كما يقول بعض الفلاسفة ، إلا بمعيشتة في دولة[1] ولا يتعارض هذا مع القول إن حقوق الإنسان هي جملة الحقوق التي يحق للإنسان التمتع بها لمجرد كونه إنساناً بغض النظر عن عيشه في دولة ، وإن كان الواقع العملي يثبت أن إنسانية الإنسان ، أو تجريده من إنسانيته في الجهة المقابلة لا يتم إلا في ظل الدولة التي ينتمي إليها .

أما مفهوم الإنسان في الثقافة الإسلامية فيتأتى من تكريم الله للإنسان عند خلقه وذلك وفقاً لما جاء في القرآن الكريم  يقول الله تعالى في سورة الإسراء (70):

  وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا (70)

  ويدخل في باب التكريم هذا بالدرجة الأولى إفراد الإنسان دون سائر المخلوقات بالعقل الذي يؤدي إلى حرية الاختيار والاحتكام إليه في كل ما يسعه العقل من أمور . كما خصه بالنطق والصورة الحسنة وبتسخير كل ما في السماء والأرض له ، قال تعالى :

وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)

 

 وتلاحظ الدكتورة عائشة عبد الرحمن [2] أولاً أن مفهوم “الإنسان” في القرآن الكريم يختلف عن مفهوم “البشر” فعند استقراء مواضع ورود هذا اللفظ “بشر” في القرآن الكريم والذي ورد في 35 موضعاً منها 25 في وصف بشرية الرسل ، يدل هذا اللفظ على الآدمية المادية التي تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، ويلتقي فيها بنو آدم جميعاً على وجه المماثلة التي هي أتم المشابهة ، والآيات الدالة على هذا عديدة، منها سورة المؤمنون الآيات 24 و25و الآية رقم 154من سورة الشعراء والآية رقم15من سورة يس والآية رقم 6 من سورة فصلت والآية رقم 110 من سورة الكهف.

أما لفظ “الإنسان” فقد ورد في القرآن الكريم بصيغة الجمع ” الناس” نحو 240 مرة وذلك للدلالة على هذه السلالة الآدمية وتميزها عن الجن والحيوان ، وقد وردت بصيغة المفرد “الإنسان” في 65 موضعاً . وتضيف بنت الشاطئ أن بتدبرهذه الآيات جميعاً – ولا يسع المجال هنا لذكرها كلها – نجد أن وصف “الإنسان”  يحمل معنى الإنسانية التي ترتقي فوق كونها بشراً  إلى حمل الأمانة وتحمل تبعات الخلافة في الأرض وما يلقيه ذلك على كاهل الإنسان من مسئوليات ، ويحمله من تبعات يستعين الإنسان فيها بما تهيأ له من وسائل التعقل والتبصر والعلم والقدرة على الكدح والجهد و احتمال البلاء.

فعلى خلاف الفكر المسيحي تحرر آدم من خطيئته بتوبته ، أما أعماله وأعمال ذريته فيحاسبون عليها إن كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر ، وفقاً للمبدأ القرآني :

قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)

  ووفقاً لقول الله تعالى:

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141)

أما الحديث التالي والذي أخرجه البخاري في صحيحه فهو يلخص “بشرية” الإنسان في المفهوم الإسلامي و التي لا تتحقق إلا بالتوازن بين حاجات الإنسان الروحية والمادية . عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي ، فلما أخبروا ، كأنهم تقالوها (أي رأوها قليلة) ، فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبداً ، وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً . فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ” أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله أآتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني  .

فالروح والجسد في القرآن الكريم والسنة المطهرة هما ملاك النفس الإنسانية كما يقول العقاد، حيث تتم الحياة بهما ولا ينكر أحدهما في سبيل الآخر ، فلا يجوز للمؤمن أن يبخس للجسد حقا ليوفي حقوق الروح ، ولا يجوز له أن يبخس للروح حقاً ليوفي حقوق الجسد ، ولا يحمد منه الإسراف في مرضاة هذا ولا مرضاة ذاك .

نستطيع أن نقول مما سبق أن هناك ثلاثة أبعاد تؤسس أو تشكل مفهوم الإنسان في الإسلام : بعد العقل، وبعد البشرية, و بعد الاستخلاف أي إقامة العمران.

 

 


[1]  - عبد المعز نصر ، النظريات والنظم السياسية ، دار النهضة ، بيروت ، 1973 ص 9 .

[2]  - عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) . القرآن وقضايا الإنسان ، دار المعارف ، مصر ، 1969 ، ص 15 – 36 .

  1. هاني كتب ,

    الأخت الكريمة أسماء

    ربما نحتاج كثيرا إلى هذه التعريفات البديهية والتي تتوه في ظل التعميم الكثيف واللا تخصص بين المسلمين.
    وإنه ليحزنني أن لا نجد المسلمين في طليعة حركة حقوق الإنسان في العالم. وكلما ذكرت كلمة حقوق ذكرت قضايا المرأة والحدود وكأنه لا يوجد لدينا قواسم مشتركة نتلاقى فيها إنسانيا مع العالم في مجال الحقوق.
    يبدو أن الجهد الفكري الذي قام به به بعض المسلمين في مجال حقوق الإنسان والإسلام يحتاج إلى جهد بحثي أكبر كالذي قمت به لرفع الوعي بهذه القضايا التي جاء الإسلام أصلا لمعالجتها.

  2. الشجرة الأم كتب ,

    أولاً: حقوق الإنسان في عالمنا العربي .. أصبحت بين مد وجزر حسب المصلحة الخاصة للسلطة، ولم تعد قائمة على الإحترام والتقدير المتبادل بين السلطة والمجتمع.

    ثانياً: مسألة الإنسان والبشر، بحسب ما ذكر في القرآن الكريم، فإن الإنسان مذموم بعكس البشر الممدوح، كما أن أكثر الآيات المرتبطة بالأنبيا كانت تصف بالبشر، وليس بالإنسان، وهناك سر خافي لهذا الأمر لا يعلمه إلا الخالق عز وجل.

    جزاك الله خير الجزاء أختي في الله، ونفع بك الأمة الإسلامية العربية.

  3. Asma كتب ,

    الأخت الكريمة “الشجرة الأم”
    شكراً و بارك الله جهودك الطيبة
    لقد كرّم الله عز و جل الإنسان عندما خلقه و فضّله على سائر مخلوقاته و أعطاه مفتاح الخير الذي إن أحسن استعماله أفلح, و إن أساء استخدامه طغى فاستحق بذلك الذم كما ذكرتِ, ألا إن هذا المفتاح هو “القراءة” أو بعبارة أخرى: العلم كما جاء في أول ما نزل به الوحي على المصطفى عليه الصلاة و السلام. أما وصف الأنبياء بالبشرية فقد ورد في سياق الحديث بشكل أساسي عند الحديث عن بشرية الرسل و ذلك لنفي صفة الألوهية عنهم. أسماء

أضف تعليقك

AL ABEER